السيد عباس علي الموسوي
218
شرح نهج البلاغة
المخلوقات من الحيوانات والكون تدليلا على عظمة اللّه سبحانه وافتتحها بحمد اللّه بهذه الاعتبارات التي ذكرها . . . الحمد اللّه الذي لا تدركه الشواهد : وهي الحواس فإنه لو كان مدركا بها لكان محسوسا إذا لا تقع إلا على ذلك واللّه ينزه عن ذلك فإنه ليس بجسم . . . ولا تحويه المشاهد : فلا يقع في الأمكنة لأنها لو حوته لأخذ حجمها وعندها يتحول إلى جسم ليشار إليه وله طول وعرض وعمق وهو سبحانه يجل عن ذلك . . . ولا تراه النواظر : لعجزها عن رؤيته فإنها لا ترى إلا الأجسام وهو جل سبحانه فوق ذلك . . . ولا تحجبه السواتر : لأن المحجوب محدود أيضا فيكون أيضا جسما واللّه منزه عن ذلك . . . ( الدال على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده ) فإن الخلق الموجود من سماء وكواكب وأرض وما عليها كلها أمور حادثة لم تكن ثم وجدت وهذه لا بد من محدث لها يفارقها ويفترق عنها ، لا بد أن يكون غنيا بذاته واجبا لذاته ليس بحادث وإلا لكان مثلها محتاجا فقيرا فدلت بحاجتها وحدوثها على غنى محدثها وقدمه وأن لا مؤثر فيه ولا محدث له وهو القديم الذي لا يحد له قدم . كما أن بحدوثها بعد العدم وبوجودها بعد أن لم تكن دلت على أنه لا بد من محدث لها وهو اللّه الذي أوجدها وكونها فدلت بهذا الحدوث على وجوده المحدث لها . . . ( وباشتباههم على أن لا شبه له ) بحدوث هذه المخلوقات ووحدة شبهها في هذا الأمر نعرف أن مبدعها غيرها لأنه لو كان مثلها لاشترك في الحدوث واحتاج إلى علة محدثة له وهو سبحانه ليس كذلك . ( الذي صدق في ميعادة ) فهو فيما وعد فيه صادق سواء كان على مستوى الدنيا أم على مستوى الآخرة لقبح الكذب ولأن المرء لا يكذب إلا لنقص فيه واللّه سبحانه منزه عن ذلك قال تعالى : إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ . ( وارتفع عن ظلم عباده وقام بالقسط في خلقه وعدل عليهم في حكمه ) واللّه سبحانه لا يظلم أحدا قال تعالى : وَما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ لأن الظلم قبيح بحكم العقل والشرع بل سبحانه قام بالعدل بين خلقه حيث خلقهم وفق المصلحة لهم وأجرى عليهم التكاليف